ناقشت الورشة الحوارية واقع الأزمة المالية الفلسطينية في ظل استمرار احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة وتفاقم أزمة فائض الشيكل في البنوك الفلسطينية، وما يرافق ذلك من تداعيات اقتصادية ومعيشية متصاعدة، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة والتضخم وتعميق حالة الهشاشة الاقتصادية. وأكدت الورشة أن الأزمة الحالية تُعد من أخطر الأزمات التي تواجه دولة فلسطين، في ظل توظيف إسرائيل للأدوات الاقتصادية والمالية كوسيلة ضغط سياسي تستهدف إضعاف قدرة السلطة الفلسطينية على الاستمرار والقيام بوظائفها، بالتوازي مع تراجع الدعم الدولي والعربي وغياب مؤشرات على حدوث انفراج قريب. وفي هذا السياق، نظم معهد السياسات العامة بالتعاون مع مؤسسة “فريدريش أيبرت” الألمانية الورشة بمشاركة الدكتور طارق عاشور والدكتور ماهر المصري، بهدف تحليل أبعاد الأزمة، واستشراف تداعياتها المستقبلية، وطرح مقاربات عملية للتخفيف من آثارها على الاقتصاد الفلسطيني.
أفتتحت الورشة بكلمة ترحيبية من الدكتور محمد عودة رئيس معهد السياسات العامة، أكّد من خلالها على أهمية عقد هذه الفعالية في ظل حساسية الملف المالي وتأثيره المباشر على المواطن والحكومة والقطاع الخاص، باعتبار أن تداعيات الأزمة تطال مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني، بينما يبقى المواطن الحلقة الأكثر تضرراً.
كلمة مؤسسة فريدريش أيبرت
من جانبه، رحّب مدير البرامج السياسية في مؤسسة "فريدريش أيبرت" في فلسطين، الأستاذ إسلام عبد الجبار، بالمشاركين، معبّراً عن إعتزاز المؤسسة بشراكتها مع معهد السياسات العامة.
وأشار إلى أن موضوع الورشة يعكس إحدى القضايا الأساسية التي تطرحها مؤسسة فريدريش إيبرت باستمرار، موضحاً أن المجتمع الدولي، بما في ذلك بعض الأطراف الأوروبية، يركزون في خطابهم السياسي على دعم "حل الدولتين"، دون إيلاء الإهتمام الكافي للعوامل التي تعيق تطبيق هذا الحل على أرض الواقع.
وأضاف أن النقاشات الدولية كثيراً ما تتناول ما يمكن أن يفعله الفلسطينيون لتجسيد الدولة، في حين يجري التغاضي عن السياسات والإجراءات الإسرائيلية التي تقوض هذا المسار، وفي مقدمتها الأزمة المالية التي تواجه السلطة الفلسطينية، والتي باتت تشكل تهديداً مباشراً لإمكانية تطبيق حل الدولتين.
وفي إطار تقديم المتحثين قال مدير الجلسة السيد عمر صبرة، أن الأزمة المالية الحالية في دولة فلسطين، تُعد الأكثر خطورة وعمقاً منذ تأسيس السلطة، خاصة في أعقاب إحتجاز كامل أموال المقاصة التي بلغت أكثر من 4.5 مليار دولار أي نحو 13 مليار شيكل خلال الأشهر الماضية.
وتحدث عن المؤتمر الصحفي لوزير المالية الفلسطيني الذي قال فيه جملته الشهيرة "انتهت حلول الأرض"، وتسائل هل هذه الجملة تعكس عمق الأزمة الإقتصادية، أم هي رسالة موجهة للمجتمع الدولي لأخذ دوره في مواجهة الوضع القائم.
كما إستعرض أزمة تكدس عملة الشيكل لدى البنوك، وعدم قيام الجانب الإسرائيلي بالالتزام بـ"اتفاق باريس الإقتصادي".
مداخلة الدكتور طارق عاشور
إستهل الدكتور طارق عاشور مداخلته بالإشارة إلى التصريحات الرسمية الأخيرة المتعلقة بالأزمة المالية، وخاصة العبارة التي أطلقها وزير المالية الفلسطيني "إنتهت حلول الأرض"، معتبراً أن مثل هذه التصريحات، رغم ما تحمله من توصيف واقعي للأزمة، تنطوي على مخاطر كبيرة عندما تصدر عن مسؤولين رسميين، لما لها من تأثير مباشر على ثقة المستثمرين والأسواق.
وأوضح أن إدارة الأزمات الإقتصادية تتطلب خطاباً مسؤولاً ومتزناً، مشيراً إلى أن التجارب الدولية تؤكد خطورة نشر خطاب الكارثة والخوف في الإقتصادات الهشة، مستحضراً في هذا السياق تجربة وزير المالية الأردني الأسبق أمية طوقان عام 2012، عندما أثارت تصريحاته حول الوضع الإقتصادي الأردني حالة من القلق في الأسواق.
وأكد عاشور أن الأزمة المالية الفلسطينية حقيقية وعميقة، إلا أن معالجتها لا تقتصر على توصيف المشكلة، بل تستوجب إدارة فعالة للأزمة، تقوم على رؤية واضحة وإجراءات عملية تعزز الثقة الداخلية والخارجية.
وفي هذا السياق، إنتقد الحديث المتكرر عن التقشف دون ظهور إجراءات ملموسة تعكس وجود سياسة مالية تقشفية حقيقية، وإستعرض عدداً من التجارب الدولية في إدارة الأزمات الاقتصادية والطاقة، مشيراً إلى الإجراءات التي اتخذتها دول مثل تايلاند وكوريا الجنوبية خلال أزمات الطاقة العالمية في الأعوام 2025–2026، والتي تضمنت سياسات صارمة لترشيد الإنفاق والإستهلاك، بدءاً من المؤسسات الحكومية ووصولاً إلى المواطنين.
وفي المقابل، شدد على أن الإحتلال الإسرائيلي يتحمل مسؤولية مباشرة عن تفاقم الأزمة، ليس فقط عبر إحتجاز أموال المقاصة، وإنما أيضاً من خلال القيود المفروضة على الإستثمار في المناطق المصنفة (ج)، وحرمان الفلسطينيين من السيطرة على المعابر والموارد.
ورغم ذلك، رأى عاشور أن هناك هامشاً يمكن البناء عليه لتخفيف آثار الأزمة، من خلال تبني سياسات إقتصادية أكثر فاعلية، وإظهار جدية حقيقية في إدارة الموارد والإنفاق، بما يعزز ثقة المانحين والمواطنين.
كما إستحضر تجربة الراحل فيصل الحسيني في مبادرة "إشتري زمناً في القدس"، باعتبارها نموذجاً في توظيف رأس المال الوطني لخدمة مشروع سياسي ووطني، داعياً إلى إستلهام هذه الروح في إدارة الأزمة الحالية.
وفي سياق متصل، أشار إلى تجربة "سندات المغتربين" التي إستخدمتها إسرائيل خلال عامي 2023 و2024، والتي مكنتها من جمع مليارات الدولارات من يهود الشتات، متسائلاً عن أسباب عدم تبني الفلسطينيين لأدوات مشابهة تستهدف الجاليات الفلسطينية في الخارج عبر سندات وطنية أو صكوك إسلامية موجهة للمغتربين.
وأكد عاشور على ضرورة إعادة هيكلة صندوق الإستثمار الفلسطيني، بحيث يتحول إلى أداة لربط رؤوس الأموال الفلسطينية في الداخل والخارج بمشاريع إستثمارية إستراتيجية ذات عائد إقتصادي ووطني، منتقداً حصر إستثمارات الصندوق داخل السوق المحلية فقط، خلافاً لما هو معمول به في الصناديق السيادية العالمية.
كما شدد على أهمية ترشيد النفقات العامة، خاصة في ظل استحواذ فاتورة الرواتب على ما يقارب 75% من النفقات الجارية، داعياً إلى إعادة توزيع الكفاءات الحكومية والإستفادة منها في قطاعات مثل التعليم والصحة، بدلاً من اللجوء إلى التقاعد المبكر.
وأشار أيضاً إلى أهمية تعزيز الإيرادات المحلية وتحسين الجباية الضريبية، منتقداً إستمرار التسويات الضريبية مع بعض الشركات الكبرى، وإستمرار دفع النثريات والامتيازات في ظل الأزمة.
وعلى صعيد القطاع المصرفي، أكد أن هذا القطاع لا يزال يتمتع بالمتانة والإستقرار بفضل التزامه بالمعايير الدولية، لكنه حذر من الإعتماد المفرط عليه لتمويل الحكومة، في ظل إرتفاع مستويات الدين العام والأزمة المتفاقمة.
كما أشار إلى تجميد النفقات التطويرية بالكامل تقريباً، واقتصار المشاريع الجارية على تلك الممولة خارجياً، إضافة إلى غياب أي خطوات حقيقية للاستفادة من أزمة تراكم الشيكل.
وفي ختام مداخلته، أكد عاشور أن الأزمة الحالية تتطلب رؤية اقتصادية شاملة، تقوم على المبادرة لا الإنتظار، وعلى بناء سياسات إقتصادية فاعلة تتجاوز حالة رد الفعل المستمرة.
مداخلة الدكتور ماهر المصري
من جانبه، أكد الدكتور ماهر المصري أن الأزمة المالية الحالية هي نتيجة لتراكمات ممتدة منذ سنوات طويلة، في ظل إستخدام إسرائيل للأدوات الإقتصادية والمالية بهدف تقويض إمكانيات بناء الدولة الفلسطينية ومؤسساتها.
وأشار إلى أن السلطة الفلسطينية فقدت خلال العامين الأخيرين جزءاً كبيراً من دورها في قطاع غزة، ما انعكس بصورة مباشرة على الإقتصاد الفلسطيني بمختلف مكوناته، وأدى إلى تعميق الأزمة القائمة.
وأوضح أن الحكومة الفلسطينية إعتمدت خلال السنوات الماضية على الإقتراض من القطاع المصرفي، ليس فقط لتمويل المشاريع الرأسمالية، وإنما أيضاً لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب، الأمر الذي أدى إلى إرتفاع مستويات الدين بصورة غير مسبوقة.
وبيّن المصري أن البنوك الفلسطينية وصلت إلى حدودها القصوى في إقراض الحكومة، استناداً إلى معايير مصرفية ومحاسبية تتعلق بقدرة المقترض على السداد، مشيراً إلى أن إعادة جدولة قروض الحكومة باتت مؤشراً خطيراً على تراجع القدرة على الوفاء بالإلتزامات المالية.
وأكد أن البنوك لا تزال مستمرة في تمويل القطاع الخاص باعتباره المحرك الأساسي للإقتصاد، موضحاً أن القروض المقدمة من البنوك تعتمد حالياً بصورة أكبر على قدرة المقترضين على توليد تدفقات نقدية تضمن السداد.
كما شدد على أن البنوك تتحمل مسؤولية حماية أموال المودعين، وأن أموال الإقراض هي في الأساس ودائع المواطنين ومدخراتهم، الأمر الذي يفرض على القطاع المصرفي توخي الحذر في منح قروض إضافية للحكومة، حتى لا نُكرر تجربة الأزمة المصرفية في لبنان.
وأشار إلى أن إجمالي القروض في القطاع المصرفي الفلسطيني يبلغ نحو 12 مليار دولار، مقابل ودائع تصل إلى 22.5 مليار دولار، في حين يبلغ رأسمال البنوك حوالي 2.5 مليار دولار، وهذا يعني أن البنوك قامت باقراض الحكومة من أموال المودعين.
وأكد أن أزمة المقاصة، حتى في حال حلها، لن تكون كافية لمعالجة التراكم الكبير في ديون الحكومة والتزاماتها المالية، خاصة في ظل التغيرات الإقليمية والدولية، وتراجع مستويات الدعم العربي والدولي.
وفيما يتعلق بأزمة تراكم الشيكل، أوضح المصري أن إسرائيل ترفض إسترداد كامل الكميات المتدفقة إلى السوق الفلسطينية، ما يؤدي إلى سحب جزء كبير من السيولة من الدورة الإقتصادية، وهذا يُشكل أداة ضغط إقتصادي ومالي متواصلة.
وأشار إلى أن جمعية البنوك أعدت دراسة حول سبل التخفيف من آثار الأزمة، خلصت إلى أن معالجة المشكلة تتطلب وقتاً وإجراءات طويلة الأمد، من بينها تقليل الإعتماد على النقد وتشجيع التعاملات الإلكترونية.
كما أكد أن البنوك الفلسطينية لا تزال تتمتع بمتانة مالية جيدة رغم التحديات، مشيراً إلى أن القطاع المصرفي قام بتخصيص إحتياطيات كبيرة لتغطية المخاطر، بما في ذلك القروض المرتبطة بقطاع غزة.
وفي ختام مداخلته، شدد المصري على أن مسؤولية البحث عن الحلول تقع بالدرجة الأولى على عاتق صانع القرار، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب إجراءات صعبة ومؤلمة أحياناً، لكن لا بد منها للحفاظ على الحد الأدنى من الإستقرار المالي والإقتصادي.
النقاش والمداخلات
شهدت الورشة نقاشاً واسعاً بين المشاركين، حيث برزت الحاجة إلى اتخاذ خطوات فعلية للتخفيف من حدة الأزمة الإقتصادية والمالية.
وركزت بعض المداخلات على ضرورة توضيح دور القطاع المصرفي للرأي العام، خاصة فيما يتعلق بمستويات الربحية، والمخاطر، والمسؤولية الإجتماعية.
كما أشار مشاركون إلى خطورة إرتفاع معدلات البطالة والتضخم، والإنكماش الحاد في الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني، مؤكدين أن جذور الأزمة سياسية بالدرجة الأولى، وأن التعويل على تغييرات محتملة في السياسة الإسرائيلية بعد الإنتخابات المقبلة قد لا يكون واقعياً.
كما أكد المشاركون أن الأزمة الحالية ذات طبيعة مركبة تشمل أزمة المقاصة، وعجز الموازنة، وتكدس الشيكل، ما يستدعي التفكير في سياسات تهدف إلى تقليل التبعية النقدية والمالية للإحتلال.
وطُرحت تساؤلات حول مستقبل الدولة في حال إستمرار تراجع الدعم الخارجي وإحتجاز أموال المقاصة، وإمكانية بروز أشكال جديدة من الإدارة المحلية في المحافظات.
وتناولت بعض المداخلات أهمية الإستفادة من تجارب ومقاربات إقتصادية عالمية، وتعزيز التنسيق بين القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب الدعوة لإعادة ضبط أولويات الإنفاق العام، وتعزيز القطاعات الإنتاجية.
وأثيرت كذلك تساؤلات حول جدوى إصدار عملة رقمية فلسطينية كحل لأزمة تكدس الشيكل، حيث أوضح الدكتور ماهر المصري أن الظروف الحالية لا توفر المقومات الأساسية اللازمة لنجاح مثل هذا الخيار.
أبرز التوصيات:
خلصت الورشة إلى مجموعة من التوصيات الرئيسية التي قدمها المتحدثون والمشاركون ، أبرزها:
• ضرورة إتخاذ إجراءات فعلية لترشيد الإنفاق العام وتنفيذ سياسة تقشف حقيقية، بما يشمل خفض فاتورة الرواتب والنفقات غير الضرورية.
• إطلاق حملة إعلامية ودبلوماسية دولية لتسليط الضوء على السياسات الإسرائيلية وتأثيرها على الإقتصاد الفلسطيني.
• تعزيز التعاون مع رجال الأعمال الفلسطينيين في الخارج، وإطلاق مبادرات إستثمارية تستفيد من قدرات الجاليات الفلسطينية.
• تقديم حوافز للفلسطينيين داخل الخط الأخضر للإستثمار في الإقتصاد الفلسطيني.
• إعادة هيكلة السياسة الإستثمارية لصندوق الإستثمار الفلسطيني، بما يسمح بتوجيه جزء من أصوله للإستثمار الخارجي.
• تحسين منظومة الجباية الضريبية وتعزيز الإيرادات المحلية.
• إعادة توزيع بعض موظفي القطاع العام والاستفادة من كفاءاتهم في قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة.
• دعوة سلطة النقد إلى اتخاذ مزيد من التدابير للتخفيف من آثار الأزمة الإقتصادية والمالية.
• تبني سياسة إقتصادية قائمة على المبادرة والإستباق، بدلاً من إنتظار المتغيرات السياسية الإسرائيلية.
• تعزيز تمويل القطاع الخاص باعتباره المحرك الأساسي للإقتصاد الوطني.
• تشجيع التحول نحو التعاملات الإلكترونية وتقليل الإعتماد على النقد.