صفقة التسليح الأمريكية لإسرائيل وتداعياتها المحتملة على الضفة الغربية
في ضوء تجربة غزة والتحولات الجغرافية والعمرانية في الضفة الغربية
د. عبدالله النجار
معهد السياسات العامة
17 سبتمبر 2026
تقديم: خلفية تقدير الموقف ومبررات إعداده
يأتي إعداد هذا التقدير في ظل تصاعد المخاوف والتحليلات التي ربطت بين صفقة التسليح الأمريكية الأخيرة لإسرائيل وبين إحتمال إنتقال نمط الحرب والتدمير واسع النطاق الذي شهدته غزة إلى الضفة الغربية، وتستند هذه المخاوف إلى حجم الصفقة وطبيعة الذخائر التي تتضمنها من جهة، وإلى التحولات المتسارعة في البيئة السياسية والأمنية والجغرافية للضفة الغربية من جهة أخرى.
ولا ينطلق التقدير من إفتراض أن الصفقة تمثل قراراً مسبقاً باستخدام هذه الأسلحة في الضفة، ولا من أن سيناريو غزة سيتكرر بصورة حرفية، وإنما ينطلق من ضرورة فحص هذا الإحتمال ضمن تقدير المخاطر، خصوصاً أن زيادة القدرة على إستخدام القوة الثقيلة تمثل متغيراً ينبغي إدخاله في قراءة التطورات المستقبلية.
وتزداد أهمية هذا الإحتمال بالنظر إلى أن الضفة الغربية تشهد، وفق تقارير أممية حديثة، تصاعداً في التهجير المرتبط بالإجتياحات المتكررة وسياسات الهدم المبرمج وعنف المستوطنين والتوسع الإستيطاني وقيود الحركة؛ فقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وجود مئات من عوائق الحركة التي تقطع أو تعرقل الإتصال بين المدن والبلدات الفلسطينية، فيما وثق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان اتساعاً في الإستيطان والتهجير وتجزئة المناطق الفلسطينية وفصلها عن بعضها.
ومن هنا، لا يتعامل هذا التقدير مع الصفقة باعتبارها دليلاً بذاتها على وجود خطة لشن حرب شاملة في الضفة الغربية، وإنما باعتبارها متغيراً جديداً في معادلة القدرة والمخاطر، وتتمثل أهمية التقدير في فحص مدى إمكانية تفاعل هذه القدرة العسكرية مع البيئة الجغرافية والعمرانية والسياسية القائمة، وما يمكن أن ينتج عن ذلك إذا إجتمع الإستخدام الواسع للقوة مع القيود على الحركة والتهجير والتوسع الإستيطاني.
ويترك التقدير، في هذا السياق، إحتمال إنتقال نمط الحرب الذي شهدته غزة إلى أجزاء من الضفة الغربية مفتوحاً للتحليل، بما في ذلك إحتمال أن تتداخل الأضرار العسكرية مع عمليات التهجير وإعادة تشكيل البيئة الجغرافية، دون الجزم بأن هذا هو الهدف المحدد للصفقة أو أن تنفيذه أمر حتمي.
وعلى ضوء ذلك، ينتقل التقدير في فصوله التالية إلى تحليل الصفقة وأبعادها العسكرية والإقتصادية والإستراتيجية، ثم بحث تداعياتها المحتملة على الضفة الغربية في ضوء تجربة غزة وطبيعة البيئة العمرانية والجغرافية والسياسية للضفة، بما في ذلك التشابك المكاني بين التجمعات الفلسطينية والمستوطنات الإسرائيلية، ولا يفترض هذا التحليل حتمية انتقال سيناريو غزة إلى الضفة، وإنما يتعامل معه كاحتمال يستحق الفحص ضمن تقدير المخاطر، إنطلاقاً من التمييز بين القدرة العسكرية والنية السياسية والقرار التنفيذي، وبين الوقائع القائمة والسيناريوهات المحتملة.
أولاً: الصفقة في سياقها العسكري والإستراتيجي
تمثل الصفقة المعلنة، وفق المعطيات المنشورة، إضافة كبيرة إلى مخزون الذخائر الثقيلة الإسرائيلية، في وقت ما زالت فيه تجربة إستخدام القوة الجوية والذخائر الثقيلة في غزة حاضرة في النقاش الدولي والإقليمي، وتكمن أهميتها، من منظور تقدير الموقف، ليس فقط في عدد الذخائر أو قيمتها المالية، وإنما في قدرتها على تعزيز هامش الخيارات العسكرية الإسرائيلية في المستقبل.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن الصفقة، التي تقدر قيمتها بنحو 2.8 مليار دولار، تتضمن 40 ألف قنبلة من فئة 2000 رطل، إلى جانب 20 ألف رأس اختراق.
وتنبع أهمية الصفقة من أنها لا تعني مجرد إضافة كمية جديدة من الذخائر إلى المخزون، وإنما تعزز قدرة إسرائيل على الإحتفاظ بمستوى مرتفع من القوة النارية لفترة أطول، وتقلل نسبياً من أثر إستنزاف المخزونات خلال الإعتداءات والحروب التي قامت بها إسرائيل مُأخراً ، ومن ثم، فإن القيمة الإستراتيجية للصفقة تتصل باستدامة القدرة وليس فقط بحجم المخزون.
وفي تقدير المخاطر الفلسطينية، لا ينبغي الفصل بصورة قاطعة بين القدرة والنية والقرار، إذ إن الكشف عن صفقة بهذا الحجم من الذخائر الثقيلة لا يثبت، في حد ذاته، وجود قرار أمريكي أو إسرائيلي باستخدامها في إتجاه محدد، لكنه في الوقت نفسه لا يستبعد إحتمال وجود حسابات أو نوايا مبيتة وغير معلنة بشأن توظيف هذه القدرات في تطورات عسكرية مقبلة، فقد يكون إستخدامها مرتبطاً باستكمال العمليات العسكرية في قطاع غزة وما قد يترتب عليها من مزيد من التدمير والتهجير، أو بتوسيع نطاق الإستخدام إلى بعض مناطق الضفة الغربية، ولا سيما في سياق إستهداف المخيمات أو البيئات الحضرية ذات الكثافة السكانية، أو بإدراجها ضمن الإستعدادات لمواجهات عسكرية مع أطراف إقليمية، بما في ذلك إيران ولبنان وسوريا؛ ومن ثم، فإن الصفقة لا ينبغي قراءتها باعتبارها دليلاً قاطعاً على نية محددة، كما لا يصح التعامل معها باعتبارها مجرد تعزيز إعتيادي للمخزون العسكري؛ إذ إن حجم القدرات التي تضيفها، وتعدد ساحات الصراع المحتملة، والظروف الإقليمية المتوترة، كلها عوامل تبرر إبقاء فرضية الإستخدام المستقبلي مفتوحة ضمن تقدير المخاطر، وبذلك، يصبح إرتفاع القدرة العسكرية متغيراً يُوسّع نطاق السيناريوهات المحتملة، ويستدعي التعامل مع النوايا غير المعلنة والإحتمالات الأقل إحتمالاً، ولكن الأعلى أثراً، بوصفها جزءاً من عملية التقدير الإستراتيجي.
ثانياً: الصفقة وإقتصاد الصناعات العسكرية الأمريكية
ولا تقتصر أهمية الصفقة على بعدها العسكري، بل ينبغي النظر إليها أيضاً في إطار المنظومة الإقتصادية والسياسية للصناعات العسكرية الأمريكية. فصفقات التسليح مع إسرائيل لا تعمل بمعزل عن منظومة أوسع تتداخل فيها المساعدات والتمويل العسكري، والمشتريات الخارجية، وعقود الشركات المنتجة، وسلاسل التوريد المرتبطة بها، وما ينتج عن ذلك من نشاط صناعي وإستثمارات في خطوط الإنتاج والقدرات التصنيعية وفرص العمل، وبذلك تتحول المساعدات والتمويل العسكري، جزئياً، إلى طلب فعلي على منتجات الصناعة الدفاعية الأمريكية، بينما تؤدي الصفقات الكبيرة إلى دعم إستمرارية الإنتاج والمحافظة على القدرات الصناعية وتوسيعها، بما في ذلك إنتاج الذخائر التي تحتاج إلى تعويض المخزونات المستخدمة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، ومن هذه الزاوية، فإن الصفقة تمثل جزءاً من دورة إقتصادية متكاملة تتقاطع فيها إعتبارات الأمن والسياسة الخارجية مع مصالح الصناعة والدفاع والعمالة والإستثمار، وهو ما يفسر أهمية صفقات التسليح الكبرى في الحسابات الأمريكية بما يتجاوز قيمتها العسكرية المباشرة، ومن ثم، يمكن النظر إلى الصفقة باعتبارها جزءاً من دائرة اقتصادية أوسع.
وتنشأ هنا علاقة متبادلة بين السياسة الخارجية والإقتصاد العسكري؛ فالدعم العسكري لإسرائيل لا يمثل فقط أداة من أدوات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، بل يرتبط كذلك باستمرارية سوق كبيرة للصناعات الدفاعية الأمريكية، وفي المقابل، تؤدي الصفقات الكبرى إلى إستمرار الطلب على الذخائر والأنظمة العسكرية، بما يدعم الحفاظ على القدرات الإنتاجية.
وبذلك تصبح الصفقة جزءاً من إقتصاد سياسي للسلاح تتداخل فيه إعتبارات الأمن القومي والسياسة الخارجية مع مصالح الصناعة العسكرية وسلاسل التوريد والقدرة الإنتاجية الأمريكية.
ولا يعني ذلك إختزال القرار الأمريكي في المصالح الإقتصادية وحدها، إذ ترتبط العلاقات العسكرية الأمريكية ــ الإسرائيلية أيضاً باعتبارات إستراتيجية وسياسية وأمنية متعددة، إلا أن البعد الإقتصادي يمثل عاملاً لا يمكن تجاهله عند تقييم إستمرار تدفق الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل.
ثالثاً: الصفقة بوصفها أداة للقوة الأمريكية وإشكالية الصورة الدولية
كما تمثل المساعدات والتسليح الأمريكي لإسرائيل إحدى أدوات القوة الأمريكية في الشرق الأوسط، إذ تسمح واشنطن من خلالها بالحفاظ على علاقة عسكرية وثيقة مع إسرائيل، ودعم قدراتها الدفاعية والهجومية، والتأثير في موازين القوة الإقليمية.
ومن هذه الزاوية، فإن الصفقة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها عملية تجارية منفصلة، وإنما باعتبارها جزءاً من منظومة أوسع من القوة الأمريكية التي تجمع بين الدعم السياسي والإقتصادي والعسكري.
إلا أن هذا الاستخدام للقوة يطرح في الوقت نفسه إشكالية تتعلق بصورة الولايات المتحدة على المستوى الدولي، خصوصاً عندما ترتبط الأسلحة الأمريكية المستخدمة في النزاعات المسلحة بخسائر واسعة في المناطق المدنية؛ "فكلما إرتبطت القوة العسكرية الأمريكية أو الأسلحة المنتجة أمريكياً بأضرار إنسانية واسعة، ازدادت الفجوة المحتملة بين الخطاب الأمريكي المتعلق بحماية المدنيين والنظام الدولي القائم على القواعد وبين الممارسة الفعلية لحلفائها"،
وبذلك، يمكن أن تنتج الصفقة أثراً مزدوجاً، تعزيز القدرة الأمريكية على دعم حلفائها، وفي الوقت نفسه زيادة الكلفة السياسية والدبلوماسية المرتبطة باستخدام هذه القدرة.
رابعاً: إسرائيل بين تعزيز القوة وتكلفة الصورة الدولية
وبالنسبة إلى إسرائيل، تمثل الصفقة تعزيزاً للقدرة العسكرية والإستراتيجية، ولا سيما في ظل إستمرار التهديدات الإقليمية وتعدد ساحات الصراع التي دخلت فيها خلال السنوات الأخيرة.
لكن تعزيز القوة العسكرية لا يعني بالضرورة تعزيز القوة السياسية أو تحسين الصورة الدولية، فالقوة الصلبة يمكن أن تحقق قدرة أكبر على الردع أو تنفيذ العمليات، لكنها قد تنتج في الوقت نفسه تكاليف سياسية وقانونية ودبلوماسية عندما ترتبط بالدمار الشامل وجرائم الحرب ونزوح للسكان.
وتزداد حساسية هذه المسألة في ضوء الإنتقادات الدولية الواسعة المتعلقة بالحرب في غزة وصدور قرارات توقيف لقيادات إسرائيلية من قبل المحاكم الدولية، كما أن التقارير الأممية بشأن الضفة الغربية تشير إلى تفاعل متزايد بين الإجتياحات العسكرية والإستيطان وعنف المستوطنين والهدم والقيود على الحركة، بما يؤدي إلى بيئة أكثر تجزئة وضغطاً على المجتمعات الفلسطينية.
ومن ثم، فإن تعزيز المخزون العسكري الإسرائيلي يوسع القدرة ويوفر النية والدعم والتشجيع على إستخدام القوة، كما أنه قد يوسع أيضاً نطاق التداعيات السياسية والقانونية والإنسانية المترتبة على إستخدامها.
خامساً: من تجربة غزة إلى قابلية إنتقال نمط التدمير الحضري
وتكشف تجربة غزة أن إستخدام القوة العسكرية المفرطة في بيئة حضرية لا يؤدي فقط إلى تدمير المباني المستهدفة، وإنما يمكن أن يؤثر في منظومة المدينة بأكملها، فالضرر العمراني يمكن أن ينتقل إلى الطرق والكهرباء والمياه والإتصالات والمرافق الصحية والتعليمية والأسواق والنشاط الإقتصادي، ثم يتحول إلى أزمة أوسع في قدرة السكان والمؤسسات على الإستمرار.
ومن هنا فإن المقارنة المنهجية بين غزة والضفة الغربية لا ينبغي أن تنصرف إلى تقدير عدد الذخائر أو حجم القوة اللازمة لإحداث مستوى معين من الضرر، وإنما إلى دراسة الآثار المحتملة لإنتقال كثافة ونوعية القوة التدميرية إلى البيئة الحضرية في الضفة.
وتظهر البيانات الصادرة عن مركز الإحصاء الفلسطيني أن مدينتي نابلس ورام الله والبيرة متقاربتان في المساحة المبنية، فيما تشير أن مساحة كيلومتر مربع واحد في رام الله يوجد فيها 806 مبنى، إضافة إلى شبكة طرق ومساحات خضراء ومكونات عمرانية أخرى، كما تشير البيانات المتعلقة بنابلس إلى كثافة تقدر بنحو 744 مبنى لكل كيلومتر مربع مبني، وتوضح هذه المؤشرات أن البيئة الحضرية الفلسطينية تتميز بدرجة مرتفعة من التركيز العمراني.
ولا تعني هذه البيانات إمكانية التنبؤ بحجم الخسائر أو طبيعة الدمار، وإنما توضح قابلية النسيج الحضري للتأثر إذا تعرض لصدمات واسعة ومتزامنة.
سادساً: الضفة الغربية ليست غزة ــ لكن عناصر الهشاشة مختلفة ومترابطة
تختلف الضفة الغربية عن قطاع غزة في الجغرافيا والمساحة والتوزيع السكاني وطبيعة المدن والبيئة العسكرية والسياسية، ولذلك لا يصح إفتراض تكرار نموذج غزة بصورة آلية.
إلا أن هناك عناصر مشتركة تجعل البيئة الحضرية في الضفة قابلة للتأثر، من بينها كثافة البناء في عدد من المدن، وتشابك الوظائف السكنية والتجارية والإدارية، وإعتماد المدن والبلدات على شبكات طرق وخدمات مترابطة، ووجود منشآت حيوية داخل النسيج الحضري.
لكن العامل الأكثر أهمية الذي يميز الضفة يتمثل في الجغرافيا السياسية المركبة، فالضفة ليست كتلة فلسطينية متصلة جغرافياً بصورة كاملة، وإنما تتداخل فيها المدن والقرى والمناطق الزراعية مع المستوطنات الإسرائيلية والطرق والبنى المرتبطة بها ومناطق السيطرة المختلفة.
وقد وثقت الأمم المتحدة إتساع التجزئة المكانية للمجتمعات الفلسطينية، ووجود شبكة كثيفة من الحواجز والبوابات والعوائق التي تعرقل الحركة بين المدن والقرى والمخيمات، ووفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تم توثيق 925 عائقاً للحركة في الضفة الغربية حتى نهاية 2025، بينها عوائق تؤثر في الإتصال بين البلدات الفلسطينية والطرق الرئيسية، بما يساهم في مزيد من تجزئة المجال الفلسطيني.
ومن ثم فإن هشاشة الضفة لا تنشأ فقط من كثافة المباني، وإنما من تشابك عمراني وجغرافي غير متكافئ يمكن أن يجعل آثار أي تصعيد أكثر تعقيداً .
سابعاً: المستوطنات والتشابك الجغرافي بوصفهما عاملاً حاسماً في تقدير المخاطر
وتمثل المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراضي الضفة الغربية عاملاً مركزياً في فهم أي سيناريو يتعلق بانتقال الحرب أو التدمير الحضري إليها، فالمدن والبلدات الفلسطينية لا تقع في فضاء منفصل عن المستوطنات، وإنما تتداخل جغرافياً معها أو تحيط بها طرق وبنى تحتية ومناطق نفوذ وحواجز ومناطق عسكرية.
وهذا التشابك يجعل الضفة الغربية مختلفة بصورة جوهرية عن نموذج غزة، ففي غزة كان المجال العمراني الفلسطيني أكثر تواصلاً ضمن مساحة جغرافية محدودة، بينما تتسم الضفة بدرجة عالية من التفتت المكاني وتداخل التجمعات الفلسطينية مع المستوطنات والطرق ومناطق السيطرة.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن التوسع الإستيطاني والقيود المفروضة على الحركة أسهما في تعميق تجزئة المناطق التي يعيش فيها الفلسطينيون. كما وثق تقرير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الصادر في 2026 تصاعد التوسع الإستيطاني والتهجير القسري وتفاقم البيئة القسرية في أجزاء من الضفة الغربية.
وتكمن أهمية هذا العامل في أن أيّ تصعيد واسع النطاق في الضفة لن يحدث داخل بيئة فلسطينية خالصة، بل في فضاء جغرافي متشابك، ولذلك فإن إنتقال نمط الحرب إلى الضفة يمكن أن تكون له آثار تتجاوز المدن الفلسطينية ذاتها لتطال الحركة بين المدن والقرى والمناطق الزراعية، وتزيد من صعوبة وصول السكان إلى الخدمات، وتعمق الفصل المكاني بين التجمعات الفلسطينية.
وهنا يظهر أحد الفروق الأساسية بين تدمير المدينة وإعادة تشكيل المجال الجغرافي، فقد لا يتطلب تغيير الواقع السكاني والجغرافي تدمير جميع المدن، بل يمكن أن ينتج عن تراكم الهدم والتهجير والقيود على الحركة وتوسيع المستوطنات وعزل بعض التجمعات عن محيطها .
ثامنأ: من التدمير الحضري إلى إحتمال التهجير وإعادة تشكيل الجغرافيا
وقد يكتسب إحتمال التهجير أهمية خاصة في قراءة مستقبل الضفة الغربية، ليس باعتباره نتيجة حتمية لأي تصعيد عسكري، وإنما باعتباره أحد السيناريوهات التي ينبغي إدخالها في تقدير المخاطر في ضوء التطورات الميدانية.
وقد وثقت الأمم المتحدة خلال الفترة الأخيرة حالات متزايدة من النزوح الفلسطيني المرتبط بالهدم وعنف المستوطنين وقيود الحركة، كما وثق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إتساع التهجير القسري في أجزاء من الضفة الغربية.
ومن الناحية الإستراتيجية، قد لا يكون التهجير نتيجة مباشرة للعمليات العسكرية وحدها، وإنما نتيجة تراكم مجموعة من الضغوط، منها تدمير المساكن والحصار الإقتصادي وفقدان مصادر الدخل وصعوبة الوصول إلى الخدمات وتقييد الحركة وإغلاق الطرق والتوسع الإستيطاني وعنف المستوطنين.
وهذا يعني أن إنتقال نمط الحرب إلى الضفة، إذا حدث، يمكن أن يأخذ شكلاً مختلفاً عن غزة، فقد لا يتمثل السيناريو بالضرورة في تدمير المدن بصورة كاملة، وإنما في إضعاف قدرتها على الإستمرار، أو دفع سكان مناطق معينة إلى الهجرة أو النزوح، أو قطع الإتصال الجغرافي بين التجمعات، أو زيادة الضغط على مناطق بعينها.
ومن هنا يصبح مفهوم "إفراغ الضفة" بحاجة إلى قراءة دقيقة؛ فهو لا ينبغي أن يُستخدم كحقيقة مثبتة بشأن صفقة التسليح، وإنما كسيناريو إستراتيجي شديد الخطورة يمكن أن ينتج عن تفاعل التدمير والتهجير والإستيطان والتجزئة الجغرافية إذا إجتمعت هذه العوامل ضمن مسار واحد .
تاسعاً: المدن الفلسطينية الكبرى والنظام الحضري الوطني
تؤدي المدن الفلسطينية الكبرى وظائف تتجاوز حدودها المحلية، فرام الله والبيرة مركز إداري وسياسي، ونابلس مركز إقتصادي وحضري رئيسي في شمال الضفة، والخليل مركز اقتصادي وسكاني كبير في الجنوب، بينما تؤدي جنين وطولكرم وقلقيلية وبيت لحم وأريحا وظائف إقتصادية وإجتماعية وإقليمية متباينة .
وتشير بيانات مركز الإحصاء إلى أن مجموع المساحة المبنية للمدن الثماني يبلغ نحو 126.7 كم²، وهو ما يوفر أساساً لفهم أهمية التركيز العمراني في المراكز الحضرية الفلسطينية.
ولا تكمن أهمية هذه المدن في حجمها العمراني وعدد مبانيها فحسب، وإنما في كونها مراكز رئيسية تتجمع فيها وظائف الإدارة والإقتصاد والصحة والتعليم والتجارة والنقل والخدمات العامة والمؤسسات، وترتبط بشبكات تمتد إلى البلدات والقرى المحيطة بها.
ومن ثم، فإن تعرض إحدى هذه المدن لتدمير واسع لا يقتصر أثره على المباني والمنشآت المتضررة، بل قد يؤدي إلى تعطيل مجموعة من الوظائف المترابطة، بما ينعكس على قدرة النظام الفلسطيني على الإستمرار وتقديم الخدمات للسكان في نطاق يتجاوز حدود المدينة نفسها، ولهذا فإن الضرر الواسع والمتزامن في أكثر من مدينة يمكن أن ينتقل من مستوى محلي إلى مستوى وطني، فقد يؤدي تعطيل مدينة إقتصادية إلى التأثير في مدن أخرى، كما يمكن أن يؤدي تعطيل الطرق إلى فصل مراكز سكانية عن الخدمات والمؤسسات، بينما يؤدي تضرر المرافق الصحية والتعليمية إلى زيادة الضغط على المناطق المجاورة، لذلك فإن حماية المدن لا ينبغي أن تُفهم فقط بوصفها حماية للمباني والسكان، وإنما بوصفها حماية للنظام الوطني الفلسطيني.
عاشراً: السيناريوهات المحتملة وتقدير مستوى المخاطر
في ضوء المعطيات السابقة، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية دون إفتراض تحقق أي منها بصورة مسبقة.
ويتمثل المسار الأول، في بقاء الصفقة ضمن إطار تعزيز المخزون والقدرة العسكرية الإسرائيلية دون إنتقال واسع لنمط إستخدام القوة الثقيلة إلى المدن الفلسطينية في الضفة الغربية، وفي هذه الحالة تبقى الصفقة مؤشراً على زيادة القدرة العسكرية أكثر منها مؤشراً على تغيير مباشر في طبيعة الصراع في الضفة.
والمسار الثاني، يتمثل في إستخدام محدود أو متدرج للقوة الثقيلة في أجزاء من الضفة الغربية، بما يؤدي إلى أضرار موضعية وتعطيل لبعض الخدمات والطرق والنشاط الإقتصادي، وفي هذا السيناريو قد لا تتحول الضفة إلى نسخة من غزة، لكن تراكم الأضرار يمكن أن يزيد من هشاشة بعض المناطق ويعمق التجزئة الجغرافية القائمة.
أما المسار الثالث، والأكثر خطورة من منظور تقدير الموقف، فيتمثل في تحول التصعيد إلى نمط واسع من التأثير في البيئة الحضرية بالتزامن مع التهجير وقيود الحركة والتوسع في مصادرة الأراضي والإستيطان، وفي هذه الحالة لا يعود الخطر مقتصراً على التدمير المادي، بل يصبح متعلقاً بإعادة تشكيل العلاقة بين السكان والأرض والمدينة، وبإضعاف القدرة على إستمرار الحياة والمؤسسات والخدمات في بعض المناطق.
ويجب التأكيد على أن هذه السيناريوهات ليست تنبؤات، وإنما أدوات لتحليل المخاطر، كما أن تحقق أي منها يعتمد على قرارات سياسية وعسكرية وعوامل إقليمية ودولية لا يمكن إستنتاجها من حجم الصفقة وحده.
التحليل النهائي
تظهر القراءة المتكاملة أن صفقة التسليح الأمريكية الأخيرة لإسرائيل ينبغي ألا تُفهم فقط من زاوية قيمتها المالية أو عدد الذخائر التي تتضمنها، وإنما باعتبارها متغيراً في معادلة القدرة العسكرية الإسرائيلية، وفي البيئة الإستراتيجية التي تعمل فيها إسرائيل على أكثر من جبهة.
وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه الزيادة في القدرة أهمية خاصة بسبب الفارق الجوهري بين جغرافيا غزة وجغرافيا الضفة الغربية، فالضفة ليست مساحة فلسطينية متصلة بصورة كاملة، وإنما مجال جغرافي شديد التعقيد تتداخل فيه المدن والقرى والمناطق الزراعية مع المستوطنات والطرق والحواجز ومناطق السيطرة الإسرائيلية المختلفة، وقد وثقت الأمم المتحدة كيف تُسهم هذه المنظومة في زيادة تجزئة المجال الفلسطيني وعرقلة الحركة والوصول إلى الخدمات وسبل العيش.
ولهذا فإن إنتقال نمط التدمير من غزة إلى الضفة، إذا حدث، لن يعني بالضرورة تكرار التجربة نفسها، بل قد يأخذ شكلاً أكثر تعقيداً، يتفاعل فيه الضرر العسكري مع الجغرافيا المجزأة والقيود على الحركة والتوسع الإستيطاني والتهجير، وفي مثل هذه الحالة، قد لا يكون معيار التأثير هو عدد المباني التي تدمرت، وإنما مدى قدرة المدن والبلدات الفلسطينية على الإستمرار في أداء وظائفها الأساسية والحفاظ على الإتصال فيما بينها.
وتشير المعطيات العمرانية الواردة تقارير مركز الإحصاء الفلسطيني، إلى أن المدن الفلسطينية الكبرى تتمتع بكثافة عمرانية مرتفعة، وأن الكيلومتر المربع في بعض المناطق الحضرية يمكن أن يضم مئات المباني إلى جانب شبكة من الطرق والخدمات والمرافق، وهذا يعني أن أي صدمة واسعة في البيئة الحضرية يمكن أن تتجاوز الأضرار المباشرة لتؤثر في النظام الحضري والإقتصادي والإجتماعي بأكمله.
وفي هذا السياق، يصبح إحتمال التهجير أكثر خطورة حيث يمثل بالفعل أحد الإتجاهات الموثقة في الضفة الغربية، خاصة وأن التقارير الأممية تربطه بتفاعل الهدم وعنف المستوطنين والتوسع الإستيطاني وقيود الحركة.
وعليه، فإن الخطر الإستراتيجي الذي ينبغي متابعته لا يقتصر على إحتمال إستخدام الذخائر الثقيلة في الضفة الغربية، وإنما يمتد إلى كيفية تفاعل القدرة العسكرية الإسرائيلية، مدعومة بما توفره صفقات التسليح الأمريكية من ذخائر وقدرات، مع البنية الجغرافية والعمرانية والسياسية القائمة، بما قد يؤدي، في حال إتساع نطاق الإستخدام وإستمراره، إلى إنتاج أو نشوء نمط مختلف من التدمير والتهجير والتجزئة يتلاءم مع طبيعة الضفة الغربية الجغرافية والسياسية.
وبالتالي، فإن التقدير الأكثر تحفظاً ودقة هو أن إحتمال إنتقال نمط الحرب التدميرية إلى الضفة الغربية لا يمكن إثباته من الصفقة وحدها، لكنه لا ينبغي إستبعاده من حسابات المخاطر، خصوصاً في ظل إستمرار التوسع الإستيطاني والتهجير وقيود الحركة وتجزئة المجال الفلسطيني.
وتتمثل الخلاصة الإستراتيجية الأهم في أن تجربة غزة أظهرت أن الحرب في المدن لا تقاس فقط بحجم المباني التي تُدمر، وإنما بقدرتها على تعطيل النظام الحضري بأكمله، وفي الضفة الغربية، يمكن أن يتخذ هذا التعطيل بعداً إضافياً بسبب الجغرافيا المجزأة والتداخل المكاني بين التجمعات الفلسطينية والمستوطنات والطرق ومناطق السيطرة.
ومن ثم، فإن حماية الضفة الغربية لا تتعلق فقط بمنع الدمار المادي، وإنما بالحفاظ على إستمرارية المجال الفلسطيني؛ أيّ إاستمرار المدن في أداء وظائفها، وإستمرار الإتصال بين المحافظات والبلدات، وحماية البنية التحتية والخدمات، ومنع تراكم الضغوط التي قد تدفع السكان إلى النزوح، والحفاظ على قدرة المجتمع والمؤسسات الفلسطينية على البقاء والعمل.
وبهذه القراءة، تصبح صفقة التسليح الأمريكية جزءاً من معادلة أوسع ينبغي مراقبتها؛ "زيادة القدرة العسكرية، مقابل بيئة جغرافية فلسطينية شديدة الهشاشة، وتوسع إستيطاني وتجزئة مكانية وتهجير متزايد"، ولا تكمن أهمية تقدير الموقف في الجزم بأن سيناريو معين سيحدث، وإنما في تحديد المؤشرات التي تجعل هذا السيناريو أكثر أو أقل إحتمالاً، والإستعداد السياسي والإنساني والمؤسسي للتعامل معه إذا إتجهت التطورات في هذا الإتجاه.
المراجع
1. الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي. (2026). التقييم السريع النهائي للأضرار والاحتياجات في قطاع غزة (Gaza Rapid Damage and Needs Assessment). الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي.
2. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA). (2026). الحالة الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة: تقرير الوضع الإنساني، 26 حزيران/يونيو 2026. الأمم المتحدة.
3. مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان. (2026). تدمير مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في شمال الضفة الغربية. الأمم المتحدة.
4. مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان. (2026). توسع الاستيطان الإسرائيلي يدفع إلى تهجير جماعي في الضفة الغربية. الأمم المتحدة.
5. مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة. (2026). عنف المستوطنين يتسبب بتهجير قسري في الضفة الغربية. الأمم المتحدة.
6. الأمم المتحدة، مجلس الأمن. (2026). تنفيذ قرار مجلس الأمن 2334 (2016): تقرير الأمين العام. S/2026/… . الأمم المتحدة.
7. الأمم المتحدة، مجلس الأمن. (2016). قرار مجلس الأمن 2334 (2016). S/RES/2334 (2016). الأمم المتحدة.
8. مكتب الممثلية الأوروبية في الضفة الغربية وقطاع غزة. (2026). تقرير المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية: فترة التقرير كانون الثاني/يناير–كانون الأول/ديسمبر 2025. الاتحاد الأوروبي.
9. الاتحاد الأوروبي. (2026، 22 أيار/مايو). بيان مشترك بشأن الوضع في الضفة الغربية. دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي.
10. الاتحاد الأوروبي. (2026، 23 آب/أغسطس). بيان الممثل الأعلى بشأن خطة المستوطنات الإسرائيلية في منطقة E1 في الضفة الغربية. دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي.
مرجع حديث جداً يتحدث عن التشابك الجغرافي؛ ويربط مشروع E1 بإمكانية تقسيم الضفة الغربية وعزل القدس الشرقية.
11. الاتحاد الأوروبي. (2026، 17 تموز/يوليو). بيان بشأن توسع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي.
12. الاتحاد الأوروبي. (2025). تقرير المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية: فترة التقرير كانون الثاني/يناير–كانون الأول/ديسمبر 2024. مكتب ممثل الاتحاد الأوروبي في الضفة الغربية وقطاع غزة.
13. الأمم المتحدة، مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية. (2026). الحركة والوصول في الضفة الغربية. الأمم المتحدة.
مرجع يتناول أثر الحواجز والقيود على الحركة في قابلية النظام الحضري الفلسطيني للتعطيل أثناء التصعيد. وتظهر قاعدة الأمم المتحدة أن إصداراً محدثاً صدر في نيسان/أبريل 2026.
14. الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي. (2026، 20 نيسان/أبريل). التقييم السريع النهائي للأضرار والاحتياجات في قطاع غزة: بيان صحفي مشترك. الأمم المتحدة.
مصدر مختصر موازٍ للتقرير الفني، خصوصاً للأرقام المتعلقة بالأضرار في الإسكان والخدمات والبنية التحتية والاقتصاد.
15. الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. (2026). الفلسطينيون في نهاية عام 2025 وعشية رأس السنة الجديدة 2026. رام الله، فلسطين: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
مرجع هام يوثق البيانات السكانية، بما فيها تقديرات سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك المعطيات المتعلقة بالهدم والتغيرات الديموغرافية.
16. الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. (2026). الذكرى السنوية الثامنة والسبعون للنكبة: بيان إحصائي. رام الله، فلسطين: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني..
17. الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. (2018). التعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت 2017: النتائج النهائية. رام الله، فلسطين: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
18. النجار. عبدالله (2025). الشرعية الدولية تحت حصر الدول المارقة. مركز الإنطلاقة ـ أكاديمية فتح الفكرية.
19. النجار. عبدالله (2025) صعود القومية الشعبوية وإنعكاسها على النظام الدولي وسباق التسلح. معهد السياسات العامة. مجلة سياسات العدد 62. ص24-39.
20. رويترز. (2026، 15 سبتمبر). إدارة ترامب تخطط لصفقة ذخائر لإسرائيل بقيمة 2.8 مليار دولار. رويترز.
21. الجزيرة. (2026، 15 سبتمبر). آلاف القنابل شديدة التدمير.. أمريكا تخطط لإرسال أسلحة لإسرائيل بـ2.8 مليار دولار. الجزيرة.