المؤتمر العام الثامن لحركة فتح: من تجديد الهيئات إلى تجديد الرؤية والأداء
أولاً: الملخص التنفيذي
لقد تم إعداد هذه الورقة إستناداً إلى أعمال الورشة الحوارية التي نظمها معهد السياسات العامة تحت عنوان "المؤتمر العام الثامن لحركة فتح: قراءة في المخرجات والدلالات والأسئلة المؤجلة"، وما خلصت إليه من مناقشات وإستنتاجات وتوصيات شارك في صياغتها نخبة من القيادات الحركية والأكاديميين والباحثين والمهتمين بالشأن الفلسطيني، بهدف تقديم قراءة موضوعية لمخرجات المؤتمر وإستشراف متطلبات المرحلة المقبلة.
وتعكس مداولات الورشة أن المؤتمر العام الثامن لحركة فتح حمل مفارقة واضحة؛ فمن جهة، نجحت الحركة في عقد مؤتمرها وتجديد جزء مهم من هيئاتها القيادية في ظرف وطني شديد الصعوبة، يتسم باستمرار الحرب على قطاع غزة، وتصاعد الإستيطان والإعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وإنسداد الأفق السياسي، وإتساع الضغوط الإقليمية والدولية؛ ومن جهة أخرى، لم يحقق المؤتمر بالقدر الكافي الوظيفة السياسية والفكرية والتنظيمية التي يفترض أن تضطلع بها المؤتمرات العامة، إذ هيمن البعد الإنتخابي على حساب الحوار البرامجي، والمراجعة النقدية، والتقييم المؤسسي، وصياغة رؤية إستراتيجية للمرحلة المقبلة.
وتخلص الورقة إلى أن المؤتمر أفرز تجديداً إجرائياً في تركيبة القيادة، لكنه لم يقدم رؤية سياسية وتنظيمية متكاملة تجيب عن عدد من الأسئلة الوطنية الجوهرية، وفي مقدمتها: ما هو موقع حركة فتح في مشروع التحرر الوطني؟ وكيف تعيد الحركة صياغة علاقتها بمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية؟ وما هي إستراتيجيتها في مواجهة الإحتلال، والإستيطان، والحرب، ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية؟ وكيف تستعيد ثقة المجتمع الفلسطيني، ولا سيما فئة الشباب والمرأة، وأبناء قطاع غزة، والتجمعات الفلسطينية في الشتات؟
وإنطلاقاً من ذلك، تؤكد الورقة أن الأولوية في مرحلة ما بعد المؤتمر ينبغي ألا تقتصر على إستكمال تشكيل الهيئات القيادية وتوزيع المهام، وإنما أن تتجه نحو إطلاق مسار مؤسسي للمراجعة والتطوير والتجديد، يحول مخرجات المؤتمر إلى برنامج عمل سياسي وتنظيمي قابل للتنفيذ والمتابعة والتقييم. كما تؤكد على أهمية البناء على التوصيات التي خرجت بها الورشة الحوارية، بوصفها إطاراً عملياً لتطوير الأداء السياسي والتنظيمي، وتعزيز الحضور المجتمعي للحركة، وتجديد خطابها وأدواتها، بما يعزز دورها في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني ومواجهة تحديات المرحلة المقبلة.
ثانياً: السياق العام
يأتي المؤتمر الثامن بعد نحو عقد من انعقاد المؤتمر السابع، وفي مرحلة تشهد تحولات عميقة في البيئة الفلسطينية، فقد فرضت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تحديات غير مسبوقة تتصل بإعادة الإعمار، ومستقبل الإدارة السياسية للقطاع، ووحدة النظام السياسي الفلسطيني، ودور منظمة التحرير، ومستقبل العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية.
وفي الوقت نفسه، تواجه حركة فتح تحديات داخلية تتعلق بتراجع فاعلية الأطر القاعدية، وضعف قنوات المساءلة، وتنامي الفجوة بين القيادة والقاعدة التنظيمية، وتراجع ثقة قطاعات من الجمهور بقدرة الحركة على تقديم حلول سياسية وإجتماعية وإقتصادية، كما أن التحولات الرقمية، وتغير أنماط التأثير السياسي، وإتساع دور الإعلام الإجتماعي، تفرض على الحركة تطوير أدواتها التنظيمية والإعلامية والفكرية.
ثالثاً: التقدير السياسي والتنظيمي
يمكن تقدير مخرجات المؤتمر من خلال ثلاث ملاحظات رئيسية:
• أولاً، حقق المؤتمر إستمرارية تنظيمية مهمة، حيث أن إنعقاده في هذه الظروف، وتجديد اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وإرتفاع نسبة تمثيل الشباب والمرأة، كلها مؤشرات على أن الحركة ما زالت قادرة على المحافظة على بنيتها المؤسسية الأساسية وعلى ممارسة شكل من أشكال التداول الداخلي للمواقع القيادية.
• ثانياً، كشف المؤتمر محدودية النقاش السياسي والبرامجي، إذ لم تحظ القضايا المفصلية، مثل مستقبل المشروع الوطني، وإستراتيجية المقاومة، ووحدة النظام السياسي، والعلاقة بين فتح والسلطة، وإصلاح منظمة التحرير، بنقاش تفصيلي يتناسب مع أهميتها، وهذا يعني أن الحركة لا تزال بحاجة إلى إطار مخصص للحوار الإستراتيجي، بعيداً عن ضغوط التنافس الإنتخابي والحسابات الشخصية.
• ثالثاً، لوحظ وجود أزمة تمثيل وتواصل، برزت من خلال ضعف مشاركة الشتات، وإتساع المسافة بين القيادة والقاعدة، ومحدودية تمكين الكفاءات الجديدة، وإذا لم تعالج الحركة هذه القضايا بصورة عملية، فقد تتوسع الفجوة بينها وبين جمهورها، وتتراجع قدرتها على تمثيل مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.
رابعاً: المخاطر المحتملة
تتمثل المخاطرة الأولى في إستمرار التعامل مع المؤتمر باعتباره نهاية لمسار تنظيمي، لا بداية لمسار إصلاحي، فغياب خطة تنفيذية للمراجعة والتطوير سيؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلات نفسها في المرحلة المقبلة.
وتتمثل المخاطرة الثانية في إستمرار الغموض بشأن العلاقة بين الحركة والسلطة ومنظمة التحرير، فغياب الحدود الواضحة بين الأدوار والمرجعيات قد يضعف الطابع التنظيمي والجماهيري للحركة، ويكرس حضور البيروقراطية على حساب العمل السياسي والتنظيمي.
أما المخاطرة الثالثة فتتصل بتراجع الصلة بالمجتمع، حيث أن ضعف الحضور الميداني، وغياب الإستجابة الفاعلة لقضايا الشباب والبطالة والفقر والتعليم والصحة والفضاء الرقمي، قد يحد من قدرة الحركة على إستعادة ثقة الجمهور أو تجديد قواعدها التنظيمية.
خامساً: التوصيات الإستراتيجية:
1. إطلاق مراجعة سياسية شاملة
ينبغي أن تبادر الهيئات المنتخبة إلى إعداد وثيقة سياسية تحدد موقف الحركة من مرحلة ما بعد الحرب على غزة، ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وأولويات مواجهة الإستيطان والتهويد، وآليات الدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية في المحافل الدولية.
ويفترض أن تتضمن الوثيقة تعريفاً واضحاً لدور فتح في المشروع الوطني، وعلاقتها بمنظمة التحرير، وطبيعة دورها داخل السلطة الوطنية، بما يحول دون ذوبان الحركة في البنية الإدارية أو الوظيفية للسلطة.
2. عقد مؤتمر وسيط غير انتخابي
توصي الورقة بعقد مؤتمر أو مجلس موسع خلال مدة لا تتجاوز اثني عشر شهراً، يخصص للنقاش السياسي والفكري والتنظيمي فقط، من دون إنتخابات أو منافسات على المواقع، ويجب على هذا المؤتمر أن يناقش التالي:
• البرنامجين السياسي والبناء الوطني الوطني للحركة.
• العلاقة بين فتح والسلطة ومنظمة التحرير.
• إستراتيجية المقاومة والعمل الشعبي والدبلوماسي.
• مستقبل غزة والوحدة الوطنية بعد الحرب.
• دور الشتات والجاليات الفلسطينية.
• الإصلاح التنظيمي والتمثيل الداخلي.
• قضايا المجتمع الفلسطيني والسلم الأهلي.
على أن يسبق هذا المؤتمر سلسلة من حوارات حركية متخصصة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومخيمات الشتات، وساحات العمل الخارجي، لضمان أن تكون الوثيقة النهائية نتاجاً لتفاعل قاعدي واسع.
3. بناء آلية مؤسسية للمساءلة والتقييم
ينبغي إنشاء وحدة دائمة للمراجعة والتقييم الإستراتيجي، باشراف اللجنة المركزية والتنسيق الفعال مع المجلس الثوري والمجلس الإستشاري، وتتولى إعداد تقارير دورية عن تنفيذ السياسات والقرارات، وقياس مستوى فاعلية المفوضيات والأطر التنظيمية.
ويجب أن تتضمن هذه الآلية مؤشرات واضحة، منها:
• نسبة تنفيذ قرارات الهيئات القيادية.
• إنتظام العملية التنظيمية على مستوى الأقاليم.
• حجم المشاركة في الأنشطة الجماهيرية والمبادرات المجتمعية.
• درجة مشاركة غزة والشتات في العمل التنظيمي والقيادي.
• مستوى مشاركة الشباب والمرأة.
• تطور العلاقات الدولية والتضامنية.
• مستوى الحضور الإعلامي والرقمي.
4. إعادة تفعيل الأطر القاعدية
تحتاج الحركة إلى إعادة الإعتبار للأقاليم والمناطق والشعب التنظيمية باعتبارها قاعدة القرار السياسي والتنظيمي، وليس مجرد أدوات للتعبئة الإنتخابية، ويتطلب ذلك إنتظام الإجتماعات، وتحديث قواعد العضوية، وتوسيع قنوات التواصل بين القاعدة والقيادة، وتفعيل آليات إستقبال الشكاوى والإقتراحات.
إضافة إلى إدماج الكفاءات المهنية والأكاديمية والنقابية والطلابية في العمل التنظيمي، بما يسمح للحركة باستعادة طابعها الوطني الجامع وقدرتها على العمل في المجالات الإجتماعية والثقافية والمهنية.
5. تمكين الشباب والمرأة
يجب الإنتقال من تمثيل الشباب والمرأة بوصفه شعاراً إلى ضمانات تنظيمية فعلية، ويتطلب ذلك تخصيص مساحات واضحة في الأطر القيادية واللجان المتخصصة، وفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة للمشاركة في صياغة السياسات.
ويُقترح إعتماد برنامج سنوي لإعداد القيادات الشابة، يشمل التدريب السياسي والتنظيمي والنقابي والإعلامي والرقمي، مع ربطه بفرص حقيقية لممارسة دور فاعل داخل الأطر الحركية.
6. تطوير الخطاب والإعلام الرقمي
تحتاج الحركة إلى خطاب سياسي وإعلامي أكثر وضوحاً وقدرة على التواصل مع الجمهور، خصوصاً الفئات الشابة، ويجب أن يتجاوز الخطاب الطابع الإحتفالي أو الدفاعي، وأن يقدم إجابات عملية عن قضايا المقاومة، والاقتصاد، والتعليم، والبطالة، والحقوق الإجتماعية، والتحول الرقمي.
كما ينبغي تشكيل فريق إعلام رقمي مركزي يعمل بالتنسيق مع المفوضيات الأقاليم والمكاتب الحركية، ويعتمد على المحتوى التفاعلي، والبيانات الموثقة، والرصد المستمر للرأي العام، والرد المنظم على حملات التضليل والتحريض.
7. تعزيز الدور الدولي والتضامني
تحتاج الحركة إلى إستعادة وتوسيع شبكات علاقاتها مع الأحزاب السياسية، والنقابات، والحركات الطلابية، ومنظمات التضامن، ومراكز البحث، والجاليات الفلسطينية في الخارج، ويجب أن يُنظر إلى العلاقات الدولية بوصفها جزءاً من العمل السياسي والجماهيري، لا مجرد نشاط بروتوكولي.
ويستحسن إعداد خطة سنوية للعلاقات الدولية، تحدد الجهات المستهدفة، والرسائل السياسية، والملفات ذات الأولوية، مثل وقف الحرب والإعتداءات الإسرائيلية، ومواجهة الإستيطان، وحماية القدس، ودعم الإعتراف بالدولة الفلسطينية، ومساءلة إسرائيل في المحافل القانونية الدولية.
سادساً: أولويات التنفيذ
1) خلال الأشهر الثلاثة الأولى
• إعداد جدول زمني للمراجعة السياسية والتنظيمية.
• تفعيل اجتماعات موسعة تجمع اللجنة المركزية والمجلس الثوري والمجلس الإستشاري.
• إطلاق حوارات داخلية حول العلاقة بين الحركة والسلطة والمنظمة.
• إعادة تنظيم قنوات التواصل مع الأطر في قطاع غزة والشتات.
2) خلال ستة أشهر
• إصدار مسودة أولى لوثيقة سياسية وتنظيمية محدثة.
• عقد ورش متخصصة حول الشباب والمرأة والإعلام الرقمي والعلاقات الدولية.
• إعداد برنامج تمكين قيادي للشباب والمرأة.
• تطوير نظام تقارير دوري للمفوضيات والأقاليم.
• إطلاق خطة إعلامية رقمية موحدة.
3) خلال اثني عشر شهراً
• التحضير لعقد المؤتمر الوسيط غير الإنتخابي.
• إقرار الوثيقة السياسية والتنظيمية الجديدة.
• تقييم مستوى تنفيذ التوصيات ومراجعته.
• إعلان خطة عمل متوسطة المدى تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات.
• إدماج نتائج المراجعة في التحضير للإستحقاقات الإنتخابية الفلسطينية المقبلة.
ملحق بأبرز التوصيات التي تمخضت عن الورشة:
أولاً: على المستوى السياسي
1. على الهيئات القيادية المنتخبة، العمل على تطوير رؤية سياسية محدثة تستجيب للتحولات الفلسطينية والإقليمية والدولية، وتحافظ على الثوابت الوطنية الفلسطينية.
2. إعادة صياغة أولويات العمل الوطني على ضوء الحرب على غزة، وتصاعد الإستيطان، ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية.
3. تعزيز دور حركة فتح في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني، وتفعيل دورها داخل منظمة التحرير.
4. دعم جهود تحقيق الوحدة الوطنية وإنهاء الإنقسام واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني.
5. تعزيز الحضور الدولي للحركة، وتوسيع شبكة العلاقات مع الأحزاب والقوى السياسية ومؤسسات التضامن الدولية.
ثانياً: على المستوى التنظيمي
1. إطلاق عملية تطوير تنظيمي شاملة تستند على مبدأ الكفاءة والمساءلة، وتجديد النخب القيادية.
2. تفعيل الأطر التنظيمية القاعدية، وتعزيز دورها في صنع القرار ومتابعة تنفيذ السياسات.
3. تمكين الشباب والمرأة والكفاءات المهنية، وإشراكهم بصورة أوسع في المواقع القيادية والتنظيمية.
4. تطوير اللوائح والآليات التنظيمية وآليات العمل، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة والتطورات التكنولوجية والإدارية الحديثة.
5. تعزيز ثقافة العمل المؤسسي، وتكريس مبدأ الفصل بين المهام والمسؤوليات والمرجعيات المختلفة.
ثالثاً: على المستوى المجتمعي والإعلامي
1. إعادة بناء جسور الثقة بين الحركة، والمجتمع الفلسطيني من خلال تعزيز الحضور الميداني، والتفاعل مع القضايا اليومية للمواطنين.
2. تطوير الخطاب السياسي والإعلامي للحركة، بما يجعله أكثر قدرة على التواصل مع مختلف الفئات، وخاصة الشباب.
3. تفعيل أدوات الإعلام الرقمي، ومنصات التواصل الاجتماعي لمواكبة التحولات في الرأي العام.
4. تعزيز دور الحركة في المبادرات المجتمعية والتنموية والنقابية والطلابية.
رابعاً: على المستوى الفكري والإستراتيجي
1. إنشاء آليات دائمة للمراجعة والتقييم الإستراتيجي لسياسات الحركة وأدائها.
2. تعزيز دور مراكز الدراسات، والبحث العلمي في دعم عملية صنع القرار داخل الحركة.
3. إطلاق حوار فكري داخلي حول مستقبل الحركة وهويتها، وأدوارها في المرحلة المقبلة.
4. إعداد رؤية إستراتيجية متوسطة وطويلة المدى تحدد أولويات الحركة وأهدافها الوطنية والتنظيمية.