صدر حديثًا عن معهد السياسات العامة برام الله عدد مزدوج من فصلية "سـيـاســـــات" تحت عنوان
"الكيانية الفلسطينية وصونها: مداخلات في السياسة والسياسات"، يتركز في تشخيص مجموعة التحديّات التي تهدد الكيانية الفلسطينية، وما تفرضه التحدّيات من اجتراح إجابات على أكثر من مستوى، بما يضيء على الممكنات المتعلقة بتطوير الأداء والتفعيل المؤسسي، كل هذا في سياق واقع احتلالي منفلت وبيئة إقليمية قاسية ومراوغة ومشهد دولي رسمي منحاز.
بدايةً، يكتب المحلل السياسي محمد هواش مقالاً افتتاحياً يقرأ فيه موقع فلسطين من الحرب التي أشعلتها إسرائيل والولايات المتحدة، متعمقاً في الرهانات الإسرائيلية، ومقولة إعادة تشكيل الإقليم، وما تؤشر إليه من مخاطر وما تحمله من فرص.
تحت عنوان "غزة بين مقاربات الحكم والتنمية - قراءة مقارنة في ضوء قرار مجلس الأمن 2803 وخطة ترامب وتجارب الدول الصغيرة" يراجع رئيس تحرير سياسات د. عبد الله النجار نماذج سياسية تُستدعى عادةً عند الحديث عن مخارج للواقع الفلسطيني وغزة تحديداً، مثل سنغافورة وتايوان، عبر استدعاء المعطيات والكشف عن خصوصية الوضع الفلسطيني في ضوئها.
وفي العدد، يستكشف الباحث في السياسات العامة زكريا السرهد، "مقومات التنمية السياسية في قانون الانتخابات المحلية الفلسطينية 2025"، معتبراً أن قانون الانتخابات المحلية الفلسطيني إطار أساسي لتعزيز التنمية السياسية على المستوى المحلي، بما يتضمنه من توجهات إصلاحية لتوسيع المشاركة وتمكين الشباب والنساء، مع تعزيز عدالة التمثيل.
يراجع د. صقر سليمان "دور المجتمع المدني الفلسطيني في التأثير على صناعة السياسات العامة" في دراسة وافية تخلص إلى أنه على الرغم من الإنجازات في توظيف: آليات الضغط والحملات، الرقابة والمساءلة المجتمعية، رفع الوعي المجتمعي... يظل تأثير المجتمع المدني متواضعاً بسبب القيود القانونية والسياسية، ونقص الموارد المالية، وضعف التنسيق المؤسسي.
يتضمن العدد ورقة للناشطة المجتمعية فرح النجار تحت عنوان "الفصائل ومؤسسات المجتمع المدني في فلسطين: بين المنافسة والتعاون والتكامل والتحوّل إلى العمل الحزبي" تحلل طبيعة العلاقة المركّبة بين الأحزاب السياسية والفصائل الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني، في سياق يتسم باستمرار الاحتلال الإسرائيلي، والانقسام السياسي ـ الجغرافي، وتقييد المجال السياسي، وارتهانات التمويل.
الكاتب الواثق طه، يكتب عن دور المنظمات الشعبية في حفظ الكيانية الوطنية الفلسطينية، عبر قراءة تتضمن استعراضاً تاريخياً وتشخيصاً للواقع الآن وسبل الاستنهاض وأهميته داخلياً في سياق تقاسم العبء والمسؤولية وصولاً إلى إعادة استكشاف المنظمات الشعبية هويتَها كفواعل مؤثرة في المحيط الدوليّ، لتكون قادرة على تطوير حضورها المؤثر، الذي يخدم فيها نهاية المطاف الحضور الفلسطيني، بتعبير آخر: يعزز الكيانية الوطنية الفلسطينية في محيط العلاقات الدولية.
في دراسة بعنوان "احتلال الحواس: استراتيجية السيطرة والهندسة النفسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة" يكشف الباحث في الإعلام والرأي العام عبد الله زماري، عن كيفية تمثيل استراتيجية "احتلال الحواس" بعداً جوهرياً في بنية الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني، لافتاً إلى أنها لا تهدف إلى السيطرة على الأرض فحسب، وإنما تمتد أيضاً إلى السيطرة على تجربة الفلسطيني الإنسانية ذاتها.
في العدد دراسة بعنوان "الاستيطان الزراعي كأداة توسع: دور الاتحادات والمنظمات الإسرائيلية وأثرها على مشروع الدولة الفلسطينية" أنجزها الباحث في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي عبد المحسن خضر علامة، تحلل الدور الاستراتيجي لمنظمة "اتحاد المزارع" كإحدى الأدوات المحورية التي تنشط في مشروع الاستيطاني الكولونيالي الإسرائيلي المنبثق من "الصهيونية الزراعية"، التي تتجاوز دورها الزراعي الظاهر لتكون ذراعاً تنفيذية لتوسيع رقعة المستوطنات القائمة من خلال إنشاء "البؤر الاستيطانية الرعوية" على غالبية المناطق الفلسطينية.
د. حسين الديك يكتب تحت عنوان "(ماغا) - الحلم الأميركي بنسخته الشعبوية" معالجاً هذا التيار في الولايات المتحدة الأميركية بصفته تحولاً بنيوياً في الحزب الجمهوري، له انعكاسات وارتدادات كبيرة على السياسة الداخلية والخارجية، مع التركيز على حقيقة أنه مع وجود انسجام تام داخل تيار (ماغا) في ما يخص القضايا الداخلية، فإن هناك في ما يتعلق بالملفات السياسية الخارجية تبايناً في المواقف، وأهم تلك الملفات الدعم الأميركي لإسرائيل وحروبها.
في السياق نفسه، تنشر "سياسات" ورقة سياسات إستراتيجية ترشد إلى كيفية تعامل الفلسطينيين والعرب مع تيار (ماغا)، وما يفتحه الواقع من إمكانيات، بعد تحليل واف لتركيبتها.
كما يضم العدد تغطية لورشة ضمن فعاليات معهد السياسات العامة، ناقشت آثار خطة ترامب المتعلقة بغزة على القضية الفلسطينية وما هو المطلوب فلسطينيا"، تحدث فيها الأكاديمي د. مروان الطوباسي، والباحث في العلاقات الدولية د. عوض سليمية.
أشارت الورشة إلى أن ما يزيد الشكوك والمخاوف الفلسطينية إزاء الخطة، هو تبنيها المرتكزات الإسرائيلية القائمة على إلغاء الكيانية السياسية الفلسطينية، والتعامل مع الشعب الفلسطيني من منطلقات سبق أن طرحت ورفضت منذ سنوات مثل "السلام الاقتصادي"، وفرض الوصاية.
في ختام العدد قراءة في كتاب "من فلسطين إلى الفلسطينيزم - قول في الوعي والمعنى" لإياد البرغوثي، أنجزها أ.عماد موسى لتضيء على مفهوم الفلسطينيزم بما يعنيه من تحول فلسطين إلى معيار أخلاقي صاعد في السياسة الدولية.
ومما جاء في مقدمة العدد:
فلسطين، ليست في أحسن أحوالها؛ فسياسياً تُناقَش قضيتها بعيداً عن ممثليها، سُلطتُها محاصَرة، غزة مهددة بتعميق الفصل بعد أن صارت أصغر ودون أظافر وتحت وصاية دولية ملتبِسة... أمّا الضفة، فالاحتلال تجاوز فيها وقائع "أوسلو" بمسارات تشريعية وإدارية ترجمَها بضمّ المنطقة "ج" فعلياً دون إعلان، فيما تولى المستوطنون الإرهابيون "تجويف" المنطقة المصنفة "ب" بأداة الاستيطان الرعوي... أمّا المناطق المصنفة "أ" فهناك مقدّمات لقضمها، ذلك أن إرادة المستوطنين المسلحين وحدها تحدد المسموح والممنوع. وقائع تهويدية جديدة تطال القدس والحرم أيضا، وإرادة المستوطنين أيضاً هي التي تحدد المسموح والممنوع في سياق الاستباحة. واقع اللجوء يخسر النقاط واحدة تلو الأخرى، خصوصاً عبر سحب أداته الخدماتية ومظلته الرمزية الممثلة بـ"الأونروا".
أما عند التدقيق أكثر، فإن هروب بنيامين نتنياهو من فلسطين يُفضي إليها! فالحريق الإقليمي الذي أشعله بالاتكاء على تاجر العقارات في البيت الأبيض، يقول إن شبح الضحية حاضر في معركة هي في جوهرها معركة على فلسطين ومستقبلها، وإن الحريق الممتد ليصبح همّاً عالمياً تُقرأ رسالته في "كازيات" المواطن الأميركي والغربي، هو الحريق نفسه الذي تخاذل العالم بشرعيته المنافقة عن إطفائه في غزة والضفة والقدس ومخيمات اللجوء.
ثم إن التنمر اليميني الإسرائيلي على الإقليم هو في الواقع امتداد للرهان على القوة العارية، الذي ينبئ بشكّ القوي في "طبيعية "شرعيته". هذا بالضبط ما يكشف عنه منطق إسبارطة، ملجأ نتنياهو الأخير وحلّه الشائه للصراع، الذي عبر عنه بانحيازه الفاجر لنموذج جنكيز خان في مقابل نموذج المسيح الفلسطيني.
محمد هواش، عبدالله النجار، فرح النجار، عماد موسى، زكريا سرهد، صقر سليمان